الخميس، 1 فبراير 2018

القصة القصيرة في العالم العربي: ما بين التهميش النقدي وغياب القراء



تعاني القصة القصيرة من أزمة حقيقية، يلمسها كل مشتغل ومهتم بالكتابة الإبداعية، فعلى الرغم من وجود كم كبير من المجموعات القصصية على رفوف المكتبات العامة والتجارية إلا أن اهتمام القراء محدود جداً بها، فالأولوية للرواية، كما انحاز النقاد لتناول الروايات والكتابة عنها، فهي موضة العصر، وسيدة الرفوف، وحلم كل كاتب أن يقال له روائي!
يقول البعض بموت القصة القصيرة أو أفولها، أو انتفاء الحاجة إليها واستنفاد أغراضها، وكل هذه اجتهادات أو آراء لا تصمد أمام حقيقة أن الأجناس الإبداعية ومنها القصة القصيرة، تتجدد، تتطور، لكنها لا تموت. قد تتراجع، تكسد، تتوارى، تفقد بريقها، لكنها تبقى حاضرة في المشهد الإبداعي، رقماً لا يمكن تجاوزه. فللقصة عشاقها وكتابها المخلصين لها، ليس تعصباً، ولكن لأنهم يجدون فيها المتعة والجمال والقدرة الفائقة على التعبير عن مكنونات النفس، ولا يجدون أنفسهم إلا من خلالها.
حول هذا الموضوع وجهنا السؤال التالي إلى مجموعة من المهتمين والمشتغلين بهذا الفن الرفيع: "ما أسباب تراجع القصة القصيرة ومحدودية مقروئيتها وانتشارها؟" فكانت هذه الشهادات:

" الإنقياد لجمالية اللغة وشعرنتها على حساب البناء الفني، يسهم في قلة متذوقي القصة القصيرة وقرائها"
حنان بيروتي/ قاصة من الأردن
قضية تراجع القصة القصيرة تشخيصٌ للحالة الراهنة، ولا يمس مكانة هذا الفن الذي لا يموت لأنّه فن الحياة، ففي ظل الظروف المتأزمة وثقل الواقع المعيش الممتلئ بالانتكاسات الخطيرة والاختراقات للروح وللضمير الجمعي العربيّ والإنسانيّ، نجد الرواية تتسيَّد المشهد، وتشكل واحةً في هجير الواقع وملاذًا للروح المثقلة، بينما القصة تشبه ظل شُجيرة في صحراء، فالرواية تحفل بالتفاصيل والرؤى، والقصة تكتفي بالتلميح وبالالتقاط، إضافة لانتشار شبكات التواصل الإجتماعي، وطبيعة الحياة المعاصرة اللاهثة جعل الومضة تزدهر في العالم الإفتراضي والرواية تتسيَّد المشهد الثقافي الواقعي. ولأنَّ فن القصة مطواع وقابل للتعايش والتأقلم مثل نبتة صحراوية نجدها تتقبل التجريب والتجديد الذي لا يتخذ المنحى الإيجابي دائما؛ ثمة تغريب وإغراق في الغموض وتخلخل في البنية الفنية لهذا الفن السهل الممتنع، وعدم تمكن من الجملة القصصية المحكمة المتطلِبِّة التخلص من أدران اللغة، وتشذيب النص القصصي من المفردات الفائضة عن البنية الفنية، وعدم الإنقياد لجمالية اللغة وشعرنتها على حساب البناء الفني، كلّ ذلك  يسهم في قلة متذوقيها وقرائها.
تراجع القصة لا يفقدها مساحتها الإبداعية لكن نجد بأنّ القصة الناجحة المحكمة البناء الفني والمجددة في تناولها الفكرة والتي تحترم عقلية القارئ الذكي والذي تتفتح أمامه أبواب الإطلاع وتتجاذب اهتمامه الشاشات الآسرة الساحرة والشذرات والومضات المحملة بالدهشة السريعة الممتعة، والحكايات الواقعية والأخبار....إلخ  تنجح في اجتذاب القارئ العجول في زمن اللهاث المعاصر.

"تراجع الصحافة الورقية أدى إلى تراجع القصة القصيرة"
باسم سليمان/ قاص وروائي من سوريا
فقدت القصة وريدها وشريانها، مما أدّى إلى تراجعها، أمّا وريدها، فهو الصحافة الورقية التي بدأت تتراجع منذ بداية الألفية الثالثة، فقد عملت الصحافة الورقية على تقديم جسر شبه يومي يربط القارئ بالقصة بعيدًا عن بنية الكِتاب/المجموعة القصصية ومع انحسارها تداعت البنية السردية التي طورتها القصة في القرون الثلاثة الأخيرة، وخاصة ابتعادها عن الحكائية/الصائتة لصالح القص/الصامت، الذي يعتمد على قراءة العين والتأمل، في حين كانت الحكائية/الصائتة تعتمد على الحدس/الحكمة والسماع والتفاعل المباشر، بينما يناقض القص الحديث جوهر الحكائية وإن لم يلغها، فالحكائية تعتمد الاستقراء الحدسي في حين تعتمد القصصية على الاستنتاج التأملي وهذا الأخير أمّنته الصحافة الورقية التي أصبحت بديلًا عن الحكواتي ومع غيابها الكبير وانقراض النمط القرائي الذي أشاعته بين القرّاء، لم يردم هذه الفجوة الكِتاب/المجموعة القصصية وذلك على عكس الرواية التي استثمرت في الكتاب منذ نشوئها، فشريان القصة الحديثة المتمثل بالسرد الصامت التأملي والمدعوم من الصحافة قُطع بغيابها، هكذا تعرضت القصة إلى نكستين متتاليتين زاد من تأثيرهما التسونامي الروائي سواء لدى الكتّاب والقرّاء وانفتاح النص الشعري على غيره من الأجناس الفنية وخاصة القصة التي امتصّ طاقتها ومع خسارة القصة هيكلها وجوهرها أصبح من المحتّم تطوير أسلوبها ومواضيعها على صعيد الشكل والمضمون حتى تعود إلى المنافسة. وما يحدث على الساحة الأدبية من محاولات إنعاش القصة سواء بالجوائز والمهرجانات ما هي إلّا محاولات بائسة لن تؤتي ثمارها ما لم يتم التغيير الجذري على صعيد فن القصة.   

"انجذاب الإنسان ... للرواية، جاء على حساب القصة القصيرة"
طالب الرفاعي/ قاص وروائي من الكويت/رئيس جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية
صيغة السؤال تشير إلى مقارنة بين واقع القصة القصيرة راهناً، وما كانت عليه في الستينات والسبعينات وحتى منتصف الثمانينات. وهنا يمكن القول بأن تلك الفترة، في الكثير من دول العالم وكذلك أقطار الوطن العربي، كانت فترة زخم سياسي وحزبي كبير وكانت عامرة بالشعارات العريضة والآمال. ولأن الفنون والآداب، هي وجه عاكس للحراك الاجتماعي في أي مجتمع من المجتمعات. وبالنظر إلى طبيعة جنس القصة القصيرة، باحتوائها على حدث رئيسي واحد، وقصر مساحتها، وإيحاء كلماتها وعباراتها، فلقد كانت الأكثر ملاءمة لأجواء وعوالم تلك الفترة. لكن، لسيطرة التقنية على عوالم الغرب، وانتشار ظاهرة القلق، وجدَ الإنسان نفسه مشدوداً لما يعطي يومه الراكض شيئاً من حياة يتمنى لو عاش مغامرتها، وهنا جاءت الانتقالة الأكبر لجنس الرواية.
انجذاب الإنسان في الغرب أولاً ولاحقاً في عموم أقطار المعمورة للرواية، جاء على حساب القصة القصيرة، وهذا ما انسحب على الكاتب والناشر وجمهور القراءة. وإذا ما أضيف لذلك الجوائز، فأن هذا مجتمعاً أقصى القصة، وأعلى يوماً بعد يوم من انتشار وحضور الرواية، وجعلها الزاد الأطيب على مائدة الإبداع الإنساني.
ما تجدر الإشارة إليه، بأن هناك رجوعاً ملحوظاً في أمريكا ودول أوروبا لجنس القصة القصيرة، ويمكن رؤية ذلك واضحاً في بوصلة جوائز نوبل للآداب في سنواتها الأخيرة. وربما بسبب من عشقي الشخصي لفن القصة القصيرة، فأنني في "الملتقى الثقافي" وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في الكويت أطلقت عام 2015 "جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية". وكانت فرحتنا كبيرة بأن لاقت الجائزة ترحيباً واسعاً بين الكتّاب العرب وفي الكثير من البلدان العربية.

"القصة القصيرة لا تقبل الكتابة السهلة المجانية"
عزالدين ميرغني/ قاص وناقد من السودان
تراجعت القصة القصيرة كثيراً في السنوات الأخيرة وخاصة في العالم العربي، وذلك لعدة أسباب منها: طغيان الجوائز التي تقدم باسم الرواية مثل جائزة البوكر، وكتارا، وحتى جائزة نوبل. وتقل الجوائز التي تقوم على المنافسة في القصة القصيرة فقط، وهذا ما جعل البعض وخاصة من الشباب يسعون للشهرة التي تجلبها لهم كتابة الرواية حتى في خارج عالم الجوائز. فالرواية الجيدة سريعة الانتشار بل قد يتداول القراء اسمها ويحفظونه حفظاً. كذلك القصة القصيرة لا تقبل الكتابة السهلة المجانية رغم قصرها، فهي تحتاج إلي لغة مقتصدة ومكثفة، وموضوعاتها جديدة وليست مستنسخة أو مكررة، وهذا يحتاج الي فن الالتقاط الجمالي اليومي المرتبط بواقع الحياة اليومية .

"المسابقات معظمها روائية"
آية سعد الدين / قاصة من مصر
من أسباب تراجع القصة القصيرة هو اهتمام دور النشر بإصدار الروايات بشكل أوسع من المجموعات القصصية، والمسابقات معظمها روائية أيضاً، واتجاه الكثير من الشباب لقراءة الروايات الطويلة؛ بحثاً عن المتعة المستمرة لوقت أطول ومتسلسل، عكس القصة القصيرة التي تنتهي سريعاً.

"ما يتهدد القصة القصيرة هو ضعف الكثير من الكتاب، وهيمنة التجريب... واللجوء إلى الأشكال السوريالية"
د. إبراهيم خليل / ناقد وأكاديمي من الأردن
القول بأن القصة القصيرة تتراجع، وأن أعداد من يقبلون على قراءتها في انحسار دائم، قول يحتاج إلى قرائن؛ فلا يوجد لدينا دليل على أن القراء ينصرفون عن قراءة القصص القصيرة، وليس لدينا دليل على عكس ذلك. ومن الملاحظ أن الاقبال على القراءة يتراجع عموماً، فلا يقرأ الناس في هذه الأيام وفقاً للتقدير المفتقر للإحصائيات الشعر، وحتى الرواية التي يقال إنها الآن تزاحم غيرها من الفنون الأدبية مزاحمة تدفع ببعضهم إلى القول فيما يشبه اليقين إن الرواية هي ديوان العرب لا تقرأ. كما لا يقبل القراء على قراءة المسرحية، أو المقالات، أو المؤلفات الأدبية الأخرى، من سير، وسير ذاتية، ويوميات ومذكرات. 
وقد يعزى هذا إلى المزاج العام الذي يتأثر تأثراً سلبياً بوسائل الاتصال من صحافة إلكترونية، ومواقع تواصل اجتماعي، ومن مشاهدة الأفلام، والمسلسلات التلفزيونية التي تقدم لهم ثقافة ترفيهية سريعة لا يتطلب التواصل معها جهداً.  فالظاهر أن الناس باتوا يميلون للراحة بطريقة تنحي استخدام العقول، والأذهان، وحتى الذاكرة جانباً، والاكتفاء بتلقي ما هو مطلوب عن طريق الهواتف الذكية. حتى الصحافة الورقية اليومية يعزف الكثيرون عن متابعتها، فمن كان يقرأ ثلاث جرائد يومياً أصبح يكتفي بواحدة، وقد يعتمد على الإنترنت فيتصفح الجريدة بسرعة دون أن يتوقف عند هذه القصيدة، أو هذا المقال، أو تلك القصة.
وهذا الواقع، على الرغم من أنه مؤسف، لا ينذر بخطر انقراض القصة القصيرة. فما زال للقصة كتاب يواصلون كتابتها، ويواصلون نشر المجموعات، وثمة صحف ومجلات تعنى بالقصص، بل تعنى أيضاً بترجمة الجيد من القصص الأجنبية إلى العربية، وتهتم بالكتابة عن القصص في متابعات نقدية.
على أن ما يتهدد القصة القصيرة هو ضعف الكثير من الكتاب، وهيمنة التجريب على بعض القصص، واللجوء إلى الأشكال السوريالية التي لا تتواءم أحياناً مع اهتمامات القارئ. زد على هذا ظهور أشكال تجريبية مثل القصة القصيرة جداً، والقصة التوقيع، والقصة الومضة، وأخيرًا طُرح (موال) جديد هو القصة  الشاعرة. ولا ريب في أن هذه المحاولات على الرغم من تقديرنا لنوايا أصحابها الحسنة، تسيء للقصة من حيث أرادوا الإحسان. وليت الكتاب الذين يخلصون لهذا الفن يخوضون التجارب مع الحفاظ على ثوابت القصة؛ من شخصيات، ومن حدث قصصي، ومن تقنيات أخرى تحقق التشويق، ولا تخلو من الأداء اللغوي السليم؛ فالإبداع الجميل لا يمكن أن يتحقق بغير الأداء السليم.

وبعد... فإنه بعد سماع الشهادات السابقة نرى أن تراجع القصة القصيرة، هو تراجع مؤقت أقرب إلى إعادة تموضع، وإنحناء لعاصفة الرواية، وهذا يُلقي على عاتق كتاب القصة القصيرة مسؤولية كبيرة جداً بالارتقاء بهذا الفن الجميل، والنهوض به، وعدم ترك الساحة لأدعياء القصة القصيرة الذين أفسدوا ذائقة القراء، فأبعدوهم عنها. كما تقع على النقاد مهمة التعريف بالمجموعات القصصية المميزة، وتقديمها للقراء كلوحات إبداعية تستحق القراءة والاهتمام.

 

نشرت في صحيفة القدس العربي  26-9-2017 
http://www.alquds.co.uk/?p=796838

هوية القصة القصيرة جدًا ومقوماتها





في زمن تحطمت فيه الحواجز بين الأجناس الأدبية المختلفة، وتخالطت، حتى ليشق على المتخصصين أكاديميًا أن يضعوا حواجز أو حدودًا أو شروطًا صارمة لأي جنس أدبي، برزت القصة القصيرة جدًا، كأكثر الأجناس الأدبية التي تلوكها الأقلام، وتدعي الإبداع فيها، والانتساب إليها، واختلط الحابل بالنابل في كتابتها، ولذا ما زالت هويتها ضبابية ملتبسة من حيث الاسم والمقومات والحجم، فكثير ممن يكتبها يهتم بالشكل، يكتب سطورًا معدودة، ويسمها بأنها قصة قصيرة جدًا، على الرغم أنها قد تكون خاطرة، أو قصيدة نثر، أو مشهد، أو لقطة، أو صورة أو مجرد خربشات لا قيمة لها. ومن حيث الاسم فهي قصة قصيرة جدًا، أو ومضة، أو أقصوصة، أو قصة برقية، أو قصة بحجم راحة اليد، أو شرارة قصصية، وغيرها من المسميات التي تتوالد وتتكاثر بشكل عجيب.
حول موضوع القصة القصيرة جدًا، والمقومات والضوابط الضرورية لمنحها هوية خاصة بها، جاءت آراء مجموعة من مبدعي القصة القصيرة جدًا والمهتمين نقديًا بها..

التكثيف وجمالية اللغة
بداية يشير القاص الأردني محمد عارف مشة أن القصة القصيرة جدًا ليست وليدة العصر الحديث، وإن كان الإعتراف بها قد جاء في الوسط النقدي العربي المعاصر متأخرًا كثيرًا. فالقصة القصيرة جدًا هي مولود شرعي للقصة القصيرة العادية، حملت خصائص الأم من حيث: البداية، الشخوص، العقدة، النهاية، وما يتبعها من دهشة ومفارقة وتساؤلات تفكيرية عند القاريء. هذه الخصائص مجتمعة، إضافة إلى التكثيف اللغوي، والشعرنة، كلها عناصر تجميلية أو أساسية فهي من أساسيات كتابة القصة القصيرة جدًا، بغض النظر عن عدد كلمات القصة، على أن لا يختلط الحابل بالنابل من حيث مساحة القص... فالقصة القصيرة جاءت مكثفة، وفي اعتقادي كلما زاد التكثيف وجمالية اللغة دون الإخلال بالعناصر الأساسية السابقة، كانت القصة القصيرة جدًا أجمل.
وبحكم تجربتي في كتابة القصة القصيرة جدًا منذ عام 1983، أرى هناك تقصيرًا واضحًا في النقد للقصة القصيرة جدًا، رغم بعض المحاولات الجادة التي تستحق الاحترام، إلا أن التقصير لا زال واضحًا، مما أدى إلى ضبابية القصة القصيرة جدًا من حيث الاسم وعناصرها، فالقصة القصيرة جدًا هي القصة القصيرة جدًا المتمتعة بشروط القص، وأي اسم يطلق بعد ذلك على جنس أدبي آخر لم يتقيد بشروط القصة القصيرة جدًا فهو ليس قصة، فالتكثيف اللغوي والشعرنة لوحده أو الدهشة والمفارقة وحدها، لا تخلق قصة قصيرة جدًا.

البراعة تتجلى في الخواتيم المثيرة واللامعة
وتقول الشاعرة والقاصة الجزائرية فضيلة معيرش أن هناك من يرى أن القصة القصيرة جدًا في الوطن العربي ما تزال هويتها ضبابية باعتبارها فنًا مستحدثًا ظهر في تسعينيات القرن الماضي، ورغم هذا سرعان ما وجدت لها مكانًا مهمًا بين الأجناس الأخرى من قبل الكثير من الكتاب الذين وصلوا بها إلى مستوى التمكن والإدهاش، وقد أرجعوا وجودها لعدة أسباب منها: الحياة السريعة، وسائل الإعلام الكثيرة، ضيق الوقت، كثرة الهموم اليومية كونها تعالج قضايا الإنسان، ومستمدة من واقعه.
وهذا الفن يعتمد على جماليات وتقنيات مثل: اختيار الألفاظ القوية، المعنى والدلالة، الأسلوب الجميل، الإيجاز في التعبير بما يخدم السياق الموجز، عمق المعنى ولغة التضمين التي تقودنا للقراءة بين السطور.
وله شروط وضوابط منها: التكثيف، الرمز الذي يرفع من قيمة النص الإبداعية، والحجم أي الشريط اللغوي المحدود لهذا الفن، والعديد من الكتاب اختلفوا في ذلك. مع هذا فكاتب هذا الفن باعتماده الإيجاز والتكثيف واللغة الشعرية، يكون قد حقق النجاح المطلوب لقصته مبتعدًا عن  التكرار والإطناب.
 كما نجد للقفلة أهمية بالغة، وهناك من يراها غير ذات أهمية خاصة إذ توفر النص على الإيجاز والتكثيف والرمز والإضمار. وهناك قفلة مفاجئة تكون أحيانا صادمة ومؤثرة ولها صلة ورابط بالموضوع. وهناك القفلة التي تفتح العديد من التأويلات والتساؤلات. وبراعة كاتب هذا الفن تتجلى في الخواتيم المثيرة واللامعة التي ترسخ في ذهن القارئ.
وحتى يحظى كاتب القصص بالتميز والتجديد عليه الابتعاد عن النمطية والتكرار والاطلاع على تجارب الآخرين.

مواكبة الإيقاع السريع للحياة والطفرة الهائلة للتقنيات
ويرى القاص والمدقق اللغوي المصري أحمد عبدالسلام أن القصة القصيرة جدًا شأنها شأن القصة القصيرة، تتكون من مقدمة ومتن وخاتمة. وتمتاز بالتكثيف والإيجاز والإيحاء والإلغاز والمفارقة. وتأتي القصة القصيرة جدًا كتطور طبيعي لفنون السرد متواكبة مع الإيقاع السريع للحياة والطفرة الهائلة للتقنيات التي نزعت الصبر من صدور أغلب القراء وصدتهم عن القراءة المطولة.
النجاح في مضمار القصة القصيرة جدًا، والاستحواذ على لب القارئ، يستوجب قدمًا راسخة في اللغة، ودربة في مجالي الحكي والقص، وتنوعًا في الأسلوب، وقدرة على اقتناص اللحظة، مع البساطة في رسم الشخصيات، وتشابك الأحداث، ومتانة السرد، وتأخير لحظة التنوير، وصولًا إلى القفلة المدهشة (المبهرة/الصادمة).
وفي محاولة لإثبات هويتها الجديدة، تنازع القصة القصيرة ألوانًا أخرى من فنون السرد كالومضة والومضة القصصية، ويتباين موقف النقاد منها بين مصفق مبارك ومستنكر عائب، لا سيما وقد أدلى بدلوه فيها الغر والحاذق والمبدع والساذج والصغير والكبير، حتى رأينا ركامًا يحوي الغث والسمين كبحر يحوج والجه إلى الغوص المضني كلما أراد الظفر بإحدى درره، فينجح تارة ويكتشف مرات عديدة أن صدفاته فارغة.

مولود جديد وآخرُ العنقود
ويرى القاص العراقي علي السباعي أن القصة القصيرة جدًا، مولود جديد. آخرُ العنقود، ولد من رحم القصة القصيرة، وتلاقح حياة معاصرة معقدة، سمتها السرعة والإقصاء والتنافس. وتاريخ الكائنات الحية يخضع لقوانين التغير والتحول والانتفاء والحذف والتشذيب والاختصار، مثله تاريخ القصة خضع. ولرعاية المولود الجديد الموسوم باسم له جذور حتى يشتد عوده ثمة ملمحين مهمين: قصر الحجم، والنزعة القصصية. بهما ستتمكن القصة القصيرة جدًا من فرض جنسها، ووجودها: جسد ولغة ومكان، وهنا ستكسو عظمة القصة القصيرة جدًا لحمًا حقيقيًا؛ وإثبات نسبها في أرض الأجناس الأدبية، وحقول الإبداع، وبساتين النقد، وسيكون لها بيت بحجرِ أساسٍ وأرضية وسقف بأن: نبنيه حجرًا فوق حجر من حجارة الإعلام الورقي والرقمي، ننفخ فيه من روح النقد الأدبي، وتعترف به مؤسساتنا الجامعية الأكاديمية.


لكل مرحلة قصصها وحجمها وتقنياتها وتخييلها ورؤاها
وينفي الشاعر والقاص المغربي عبدالله المتقي ضبابية القصة القصيرة جدًا والتباسها فيقول: بداءة، دعونا نتفق أن القصة القصيرة جدًا ليست مسنة، ولم تعمر بعد طويلًا، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، فهي الآن تجاوزت مرحلة النطفة والعلقة، وها هي مضغة فلننتظر حتى تتحول هذه المضغة إلى ميني قصة أخرى، وحتى نطالبها بأشياء أكبر منها، وقد تتوجه إليها سهام من قبيل الالتباس والضبابية، وهذا شكل من أشكال التهم التي لا تؤمن بإعطائها حريتها لتتطور، وإذا كان هذا الشكل السردي القصير جدًا هو "الانطلاق من نقطة جد صغيرة إلى أخرى جد كبيرة" كما يرى ماتيو ديبس، فليفتح لها النقاد إذن أزرار قمصانهم لنقول بعد استوائها "تبارك القاص أحسن المبدعين"، لأنه شكل قصصي أفرزته شروط الزمن الراهن بكل مميزاته واشتباكاته، وكذا حركيته السريعة. لأن كل مرحلة لها قصصها وحجمها وتقنياتها وتخييلها ورؤاها. كما لن يسقط منا سهوًا الإشارة إلى أن هذا الشكل قد لا يتمم نضجه واستواءه النهائي، وربما لن ينهيه أبدًا كما هو الأمر في القصة القصيرة، ولكن هذا لا يمنع من اقتراح بعض الشروط لهذا الشكل الجديد والمتطرف والذي يكاد كل المعنيين يتفقون حوله من قبيل: القصر، التكثيف، الحكي، المفارقة، الدقة، الضغط، التهجين، السخرية والتعبير المرموز .

لا تزال نزقة
وللقاص الأردني جمعة شنب رأي مغاير وربما صادم، يقول: القصة القصيرة جدًّا لا تزال نزقة، برغم أنّها أطلّت من معطف القصّة القصيرة، لكنّها لا تشبهها على الإطلاق. إنّ الفرق بينها وبين القصة القصيرة التقليديّة، هو الفرق بين رغيف هامبورغر تقضمه في كابينة قطار سريع، وبين وجبة مأكولات بحريّة، سلطتها الكافيار، على يخت في بحيرة واسعة في ريف هادئ.
القصة القصيرة جدًا ليست كما يروّج بعض المتحمسين لها، من أنها جنس أدبيٌّ صعب وشائك، وأغلب كتّابها اليوم امتطوها لقصر قامتها لا أكثر.  إن حالة كتّاب القصة القصيرة جدًا تشبه كثيرًا حالة من يكتبون الشعر المنثور، دون أن يكونوا أثبتوا قدراتهم في شعر الشطرين وشعر التفعيلة، جهلًا بالعروض، واستسهالا للكلام المنفلت لا أكثر.. صحيح أنّ منظّري هذا الجنس الأدبي -إن كان يصلح أن يسمّى جنسًا بعد- يضعون ضوابط له، كالتكثيف والمفاجأة والإدهاش، لكن القصة القصيرة التقليديّة لا تخلو من هذه العناصر في أغلب حالاتها. هؤلاء المنظّرون ينحتون نحتًا لتثبيت هذا اللون السردي، وأخشى أن يصابوا بالإحباط قريبًا، ذلك أن أغلب كتّاب هذا السرد القصير ليسوا كتّابًا، وقلّة قليلة منهم ساردون أصلاء، ذوو باعٍ طويل في القصة القصيرة.
لا تستهجن كلامي هذا، كوني أكتب القصة القصيرة جدًا، صحيح أنّني أكتبها، لكنّني لا أحبّها، ولم أشعر يومًا بالانتماء إليها.

ثلاثة مواقف نقدية متضاربة
وأخيرًا يلاحظ الباحث والناقد الأكاديمي المغربي جميل حمداوي، بصفته دارسًا ومهتمًا بفن القصة القصيرة جدًا في الوطن العربي، أن هناك ثلاثة مواقف نقدية متضاربة حولها على مستوى التجنيس: موقف إيجابي يدافع عن القصة القصيرة جدًا؛ إذ يعتبرها الجنس الأدبي المفضل والصالح للمستقبل، وموقف سلبي رافض لهذا الفن الوافد. ويقوم على المكابرة والممانعة والعناد، وعدم الاعتراف بهذا الجنس المستحدث، وموقف وسط متردد ومحايد وحذر، لا يعبر عن نفسه بشكل واضح وصريح، بل ينتظر الوقت المناسب الذي يعلن فيه قرار الرفض أو التأييد.
ومن هنا، فالقصة القصيرة جدًا جنس أدبي بامتياز، مثل: الرواية والقصة القصيرة، يمتلك مجموعة من الأركان والمكونات الثابتة التي تميزه عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى تخصيصًا وتفريدًا واستقلالية، مثل: القصصية، والحجم القصير جدًا، والتكثيف، والاقتضاب، والتركيز، والحذف، والإضمار، والتسريع، والمفاجأة، وفعلية الجملة، والتتابع، والتراكب، والصورة الومضة، وإدهاش المتلقي...
وثمة مجموعة من المعايير والقوانين والسمات التجنيسية التي تشترك فيها القصة القصيرة جدًا مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى، مثل: الأنسنة، والتشخيص، والانزياح، والتناص، والأسلبة، وانفتاح الجنس، والتلميح، والإيحاء، والفانطازيا، ...
وقد ظفرت القصة القصيرة جدًا، في السنوات الأخيرة، بصك الاعتراف القانوني والمؤسساتي والنقدي والأدبي والأجناسي، بعد أن دافع عنها الإعلام الورقي والرقمي من جهة أولى، ونافح عنها النقد الأدبي من جهة ثانية، واعترفت بها المؤسسات والمعاهد الجامعية من جهة ثالثة.

نشرت في صحيفة القدس العربي بتاريخ 8-11-2017
http://www.alquds.co.uk/?p=822490